الجمعة، 27 مارس 2020

وحيٌ أميري مُنع نصفه من النشر!

نُشر النصف الأول من هذا المقال في صفحة إضافات بجريدة الجريدة بعنوان (وحيٌ أميري) في عدد يوم الجمعة الموافق ١٣ آذار/ مارس ٢٠٢٠، فيما امتنعت عن نشر النصف الثاني، لذلك أستغل هذه المساحة لنشره كاملاً.

بتاريخ ٢٦ نيسان/إبريل ٢٠١٠م، التقت صحيفة (فرانكفورتر ألغماينه تسايتونج) الألمانية بسمو الأمير، مستغلة زيارته الأولى - بعد توليه سدة الإمارة- لجمهورية ألمانيا الاتحادية، لإجراء حوار معه، وقد نشرته وكالة الأنباء الكويتية (كونا) في حينه بموقعها الرسمي. وتطرقت إحدى الأسئلة لموضوع الديموقراطية الكويتية، مستفهمةً عن علّة الجمود السياسي في الكويت، وما إذا كان عائداً أصلاً إلى فشل النظام البرلماني. جاء جواب سموّه مباشراً، مؤكداً أن "البرلمان قد خيّب آمال الشعب الكويتي"، وعندما استفسرت الصحيفة عن السبب، قال سموّه: "خطأ البرلمان في أداء وظيفته يعود إلى الدستور الكويتي لأن هذا الدستور يمزج بين النظامين البرلماني والرئاسي ولذلك فلا هو رئاسي صرف ولا برلماني بالمطلق وإنما هو يجمع بينهما معاً وهذا الوضع يؤدي إلى تداخل السلطات التشريعية والتنفيذية وهذا ينتهي إلى تنازع بين السلطتين لأن كل منهما تسعى إلى تقليص صلاحيات الأخرى" انتهى الاقتباس.

 

توحي إجابة سموّه بأن الأمة الكويتية ستكون أمام تجارب سياسية جديدة تعرّض دستور الدولة الصادر سنة ١٩٦٢ لاختبار حقيقي يقيس قدراته أمام طموحات الجيل الشبابي الصاعد في ماهيّة العلاقة المبتغاة بين الحاكم والمحكوم. وبدءًا من ندوة (إلّا الدستور) الثانية التي أقامها بعض أعضاء مجلس الأمة في ديوانية زميلهم الدكتور جمعان الحربش بتاريخ ٨ كانون الأول/ ديسمبر ٢٠١٠، وما تلاها من أحداث، مروراً عبر فترة "الحراك" -الموازي لأحداث الربيع العربي الأول- الذي قادته المعارضة الكويتية تعبيراً عن رفضهم للتدخلات الفردية في تغيير النظام الإنتخابي، وإلى هذه اللحظة، لم تحسم السجالاتُ السياسية الموقفَ من النظام الخليط المتبنّى دستورياً لشكل الإدارة السياسية.

 

في هذا النظام (الخليط)، يعبّر مجلس الوزراء عن إرادة أميرية منقوصة على اعتبار اللازم الدستوري في أن يختار الأمير وكيلاً شعبياً واحداً على الأقل من مجموع الوزراء الذين يمارس صلاحياته بواسطتهم، كما يعبّر مجلس الأمة عن إرادة شعبية منقوصة على اعتبار اللازم الدستوري في أن يكون الوزراء جميعهم أعضاءً فيه، وهو قد جاء بهذا الشكل تطبيقاً لنظرية (الديموقراطية الكويتية) التي لم تفصل تماماً بين سلطات الدولة، إنما جعلت المقام الأميري عقدةً بينهم، فالأمير يمثل جانباً من سلطة التشريع والرقابة والمحاسبة مع مجلس الأمة، ويمثل جانباً من سلطة التنفيذ مع مجلس الوزراء، وباسمه يمارس القضاء سلطته.


***


       أما النظام البرلماني، فهو يعبّر عن إرادة شعبية كاملة في مجلس الوزراء كما في مجلس الأمة، على اعتبار أن الأول فرعٌ عن تصوّر الثاني، فيختار الشعب وكلاءه الذين منهم -ومنهم فقط- يختار الأمير وزراءه. لذلك، يحول هذا الشكل من الإدارة السياسية دون ممارسة أفراد أسرة الحكم لها، إنما يكتفي بتحقيق المكانة الرمزية لهم عبر المقام الأميري السامي، نأياً بهم عن التجريح الذي سيمس -شئنا أم أبينا- كل من أراد الاشتغال في مجال السياسة. وبالإمكان -إذا اتفقت الأمة على درجة من المساواة بين هؤلاء الأفراد وباقي المواطنين- أن يجربّوا حظهم عبر الانتخابات للوصول إلى السلطة شريطة أن يتنازلوا عن طموحهم في الإمارة نأياً لسمو المقام أن يطاله أحد المجرّحين منهم.

 

بالمقابل، يفصل النظام الرئاسي تماماً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما يدمج منصب الحاكم مع رئاسة الوزراء، ويعرضه للانتخاب المباشر إما من قبل المواطنين أو من قبل وكلائهم السياسيين، مانحاً إياه الإرادة الكاملة في اختيار من يشاء من معاونين لقيادة مفاصل الجهاز التنفيذي، والذين يكونون محاسبين من قبله وحده فقط. حينها يُلغى تأثير الكتلة الوزارية في مهام التشريع والرقابة والمحاسبة، كما يكون رئيس الدولة -دون غيره من معاونيه- مساءلاً سياسياً أمام مجلس الأمة. وبالإمكان -باتفاق الأمة بلا شك- أن يحافظ على صفة التوارث باختيار نائبٍ للحاكم من أسرة الحكم، وبنفس الآلية التي بها يُختار الحاكم نفسه.

 

وفي الحين الذي يتبنّى طيفٌ واسع من الفِرق في الكويت سواء الكتل الاجتماعية أو الطبقات المهنية أو الاتجاهات الفكرية أو الطوائف الدينية أو الجماعات السياسية، لاختيار النظام البرلماني، يعمل الديوان الأميري -وهو المؤسسة السياسية الرسمية لأسرة الحكم- على تفريغ مجلس الوزراء تدريجياً من سلطته منذ استلامه لمهام وزارة الأشغال في تنفيذ مشاريع التشييد والإنشاءات والإشراف عليها، لحين تدخلّاته عبر مستشاريه في تزكية أسماء المرشحين للوظائف القيادية والوسطى، فيميل "عملياً" -سواء عن تدبير سابق أم صدفةً- ناحية شكل الإدارة السياسية الرئاسي. وربّما فُطِرَ أبناء أسرة الحكم على ذلك، فمحاضر لجنة صياغة الدستور في المجلس التأسيسي ما تزال تحتفظ برأي ممثلهم آنذاك، الشيخ سعد عبدالله سالم مبارك الصباح رحمه الله، للتوجه ناحية هذا الشكل من الإدارة السياسية.

الأربعاء، 29 أغسطس 2018

المتفوقان؛ المذياع والمانيكان



على مدى ثلاث تجارب أداء (بروڤات) لحفل خريجي التطبيقي المتفوقين -حضرت اثنتين منها ومنعني عن الثالثة ظرْفٌ خاص، كان المطلوب منا تحديداً التالي:

-جلوس كل منا على مقعده المخصص.

-الانتقال عند إشارة المنظمين من المقاعد إلى الصف الجانبي انتظاراً لسماع إسم الخريج المتفوق للصعود للمسرح.

-التحول لدمى الأزياء (مانيكانات)! بصعودنا على مدرج وضع على المسرح.

قيل لنا أن سمو الأمير راعي الحفل سيصعد بمعية الإدارة لالتقاط صورة جماعية مع الخريجين، عوضاً عن ما اعتادت عليه حفلات التكريم من التشرف بمصافحة سموه والتقاط صورة خاصة معه! بالطبع سنشكل باصطفافنا المتدرج المرتب خلفيةً رائعةً للصورة.

سئلنا: من منكم يريد أن يتلو خطاب المتفوقين؟ كنت ضمن الراغبين للتحول من بشر إلى مذاييع. فأنا المذياع الذي تلا خطاب المتفوقين في العام قبل الماضي. مزهواً بخبرتي، وإحساسي الصادق ما فتأ يزيح ستار الوهم مؤكداً بأن حفلاً كهذا لن يستخدموا فيه مذياعاً ذو شارب! فما بالك بذي شارب متصل بالذقن؟!

فشلت هذه المرة في أن أكون مذياعاً، لكني لن أفشل في تقمص دور المانيكان. أثناء الحفل، بثقة القانط لولوج سقر، جلست على مقعدي، أرمي سهام نقدي لأداء المخاطِب، أصطف في الصف انتظاراً لسماع اسمي وظهور صورتي على شاشة المسرح، أقف كأفضل مانيكان في المنتصف برداء التخرج الثالث الذي ارتديه وانا في ربيعي الرابع والثلاثين الذي يوشك على الانتهاء، ارتديت الرداء الثاني في حفل التخرج من ثانوية عبدالله الجابر الصباح للبنين - مقررات، وبين الثامنة عشر والرابعة والثلاثين تكمن تسعٌ عجاف في تخصص العمارة في كلية الهندسة بجامعة الكويت! فجأة يرجعني تصفيق سمو الأمير للإنسان الذي كنت عليه، شعرت حينها بأن تخرجي له قيمة عبّرتا عنها يدا الرجل الأول في الدولة لتقولا لنا: "هذول عيالي"، بابتسامته كوالد فخور بأبنائه رسم على وجهي أعرض ابتسامة كنت اتجنبها حتى لا تفضح تصادم أربعة من أسناني الأمامية، سنّان في كل فك، حتى يعودا صحيحين فإن الدكتور مشعان المشعان وزمرته في العيادة مضطرون لتحريك كل سن وقاطع وضرس!

صعد سموه المسرح برفقة الوزير والمدير والعمداء، ولمعت فلاشات الكاميرات من كل صوب أمامنا لتوثق اللحظة، المحتفى بهم في الخلف والإدارة وراعي الحفل في الأمام، لكن ذاكرتي ستختزن الصورة التي أرى فيها رؤوس زملائي وزميلاتي من الخلف مغبّشة، وفي منتصفها بكل نقاوة يجلس سمو الأمير مبتسماً مصفقاً، فيما الوضوح على ما حوله من وزراء وشيوخ ونواب ومستشارين ومدعوين يتلاشى.

السبت، 7 يوليو 2018

الكويت ٢٠١١

تحت المعرّف (ARCHITECT) دوّنت  هذا الرأي بتاريخ ٧ تشرين الثاني/نوڤمبر ٢٠٠٥ في منتدى الأمة.
وإليكم النص كما كُتِبَ في حينه.

لماذا الكويت؟
ولماذا ٢٠١١؟
أما الكويت فلأنّها وطني .. وطن النهار .. وطن الأمل..
وأما ٢٠١١ فلأنها السنة التي تعقب ٤ سنوات ستكون للمرأة فيها نصيب في عضوية مجلس الوزراء ومجلس الأمة..

كلّي ثقة أنّ ما لنساء الكويت من قوة وحنكةٍ إدارية ستنقلنا خلال الأربع سنوات -بدايةً من ٢٠٠٧- إلى تاريخٍ آخر .. ليس لضعف الرجل أو لاضمحلال ثقافته، لا .. فالمجتمع الكويتي ينبع من هؤلاء الرجال الذين صادقوا الله ما عملوا .. ولكن لأن النساء سيأتين بكامل حماسهن لتلك السنوات الأربع لما فيها من تحدٍّ عظيم للمرأة الكويتية اتجاه أختها واتجاه من يراها المخلوق الضعيف .. لكني أقول {إِنَّ كَيْدَهُنَّ عَظيمْ}..

لا يخفيكم سراً أيها الشارع الكويتي -برجاله ونسائه وأطفاله وشبابه وكبار السن- أن ما تعيشه الدولة الآن لهو ضعفٌ شديد..
لا يخفيكم سراً أيها الشارع الكويتي، أن ما وصلت إليه وزارات الدولة من مستوى لهو الدرك الأسفل..
لا يخفيكم سراً أيها المجتمع الكويتي أن ما نلقاه من تعليمٍ وثقافة أصاب أدمغتنا بالفزغ .. أصاب القلوب بالهلع .. أصاب الصفر الجليد..

عندما أتى دستور دولة الكويت، قسّم الحكم إلى سلطة تشريعية (مجلس الأمة) وسلطة تنفيذية (الحكومة) وسلطة قضائية (مستقلة) .. ووضع القوانين واللوائح التي تلزم بالعمل تحت الإطار الديموقراطي الذي فيه يحفظ الشعب حقوقه وتحفظ الأسرة الحاكمة حقوقها كونها جزءٌ من الشعب .. أليست هذه ديموقراطية؟؟

إن ما نراه الآن لهو تنقيح متعمد لدستور ١٩٦٢..
إن ما نراه الآن لهو تقييد لحريات ممثل الشعب..
إن ما نراه الآن لهو التفرد باتخاذ القرار..

عندما كنا ننادي برقابة الأجهزة الحكومية من عبث المتفردين بها..
عندما كنا ننادي: يا أبناء الوطن إن الوزارات ما خلقت إلا لكم فأنتم من له الحق بأن ((يبقى)) بها..
أصبحنا ننادي يا شيخ صباح أنجدنا .. فلا الكويت بقت لنا ولسنا كمن يريدالبقاء لها..

كنا نقرأ لعبدالله النوري والأنصاري ويوسف بن عيسى القناعي وفهد العسكر..
الآن أين هم؟؟ أين مؤلفاتهم؟؟ أين الماء المقطّر؟؟..

فيا أيتها الحكومة .. إننا نطالبك بالحزم .. فإذا الفساد انتشر .. وإذا الحق اندثر .. وإذا النهار كالليل استقر .. حينها لا قلبٌ سيخشع ولا عقلٌ سيبدع ولا حاجة من حوائج الدنيا إلا وكان لها الشر مقر..

إبدأوا بالتعليم فتعليمكم سرق الفكر من عقول الأطفال..
صاروا يسيرون مع الظلال .. فانتشر في القلوب الضلال..

نريد سياسةً تعليميةً تخرجهم من حيز الحفظ والاتباع .. إلى فلك التفكير والإبداع..

واعلموا أنكم إن أردتم التنقيح .. فبإشهار الأحزاب .. وبتقليص الدوائر .. وبأن تكون الحكومة منتخبة..
فبالأحزاب يبدأ العمل التنظيمي..
وبتقليص الدوائر تكون البداية لإعدام الشراء..
وبالحكومة المنتخبة نكون قد أنجدنا ماضي الكويت وانتشلنا الحاضر من واقعه وصنعنا مستقبلاً لدولة عظمى اسمها الكويت

يا أبناء الأسرة .. ما أنتم إلا رموزاً للبلد .. ما أنتم بآلهة تُعبَد..
ولأنكم رموزنا أبعدوا أنفسكم عن الشوائب والموبقات .. ولتكونوا الحكام في الفصل .. لا حكاماً في اتخاذ القرارات..

إننا الآن نعيش الثورة التي عاشها الأجداد في عهد المغفور له ابشيخ أحمد الجابر الصباح..
لكنها ثورة جديدة..
بداية أوصالها عام ١٩٨٦ .. عندما بدأ الحلم الكويتي بأن يكون ذات يوم منهج يسير وفق أطر كويتية أصيلة
وخلال عشر سنوات من بداية التجربة بدأ تطبيق هذه الثورة على الواقع .. والسنة القادمة ستكون العشر سنين الثانية لعمر هذه الثورة .. في العام القادم ستكون الانطلاقة نحو الوطن الكويتي الذي يتبع ابناؤه النهج الكويتي .. لا نهج محمد عبدالوهاب أو نهج حسن البنا بل هو النهج الكويتي..

فابشروا أيها الكويتيون .. فالحلم الذي طالما تمنيتموه سيصبح حقيقة..

السبت، 7 أبريل 2018

نِيَّة؛ في العمارة التّوْقيّة


*
هنا لن تقرأوا سردَ سيرة، ولا حبكةً روائيةً مريرة، ولا معانيَ مبتذلةً في قصيدةٍ حقيرة، ولا ماضٍ سحيقٍ ابتدع مخيالُنا العربي أساطيرَه، من خلال تصميم هيئته، وخلق آلهته، وتحديد إحداثياته، ونسج حواراته، وإنشاء مبانيه وعماراته. هنا تقرأون بضعاً من التفكير، مولود التجارب، ووالد التنظير، عسى أن يلهمنا اللطيف الخيير، ضياءً ونورا، وفسحةً وسرورا، إنه على كلّ شيءٍ قدير.

قُرّائي الأُوَلُ في هذا المجال، لقد لبثت فيكم أعواماً طوال، ناهزت لما تركتكم تركاً مكانيّ، الثّلُثَ أو ما يزيد مما انقضى حينئذٍ من زماني، لحِقت فيها أقدم الطلاب حتى لحقتموني، بل حتى تجاوزتموني، لحقت بـ(KASA)** بكراً يتيمة، ولحقت بتوأمتها جديدةً وقديمةً ونديمة، لحقت بتأسيس هذه المجلة الغرّاء، التي ضمّت خيرةَ الزملاء، القدامى منهم والجدد، في كلّ إصدارٍ منها أو عدد، والتي استنّت بسنة المعمار النجيب، في البحث السّبر والتنقيب، عن أحدث الأفكار، في فن وعلم التصميم والإعمار.

وما خُيِّلَ إلىّ -رغم ودّي- أن تقرأوا لي هنا رأياً أو اعتقاد، أو مقترحاً أو انتقاد، فيما يراه البعض عمارةً بديلة، وأراه عمارةً عليلةً رذيلة، يوصمون بها جهلاً او استحمارا! أو بغياً أو استكبارا، عمارتنا الأصيلة، حتى فاجأوني القائمون على مجلة (tsquare) بدعوتي لمشاركتكم هذا "الشوقَ الوجداني"، هذا "التوق العاطفي" للماضي.

لقد وجدتُني لمّا هجرت الدراسات الجامعية لتخصص العمارة لاجئاً إلى المطالعات والقراءات الحرة من مصادرها العربية، أنشد الحنين بأبيات من الشّعر أقول فيها:
رَكِبْتُ الْفِكْرَ وَالْأَفْكارُ مَوْجٌ|      أُقَلِّبُهُ عَلى ظَهْرِ السَّفينةْ|
وَفي الْمَرْسى خُطوطٌ قَدْ تَوارَتْ| بِدارٍ في زُقاقٍ أَوْ مَدينَةْ|
تُراوِدُني أَكابِرُها تِباعاً|         وَتَأْبى النَّفْسُ إِلّا أَنْ تَلينَ|
وها هي النفس قد لانت، وخبيئتها بانت، مشتاقةٌ إلى أهل الدار، معمارةً ومعمار، لتلقي قولها إلى ما قيل، في العمارة من الجميل أو الثقيل.

إن الماضي، لحظةٌ فنت بميلاد أخرى تفنى، فحمّلت الأخرى على نفسها جريرة هذا الفناء، فأقامت مزاراً يواري سوءتها، لعل اللحظة التي بعدها تصنع بها ما صنعت بغيرها، فتناسلت من هذه اللحظات بعضَ الذكريات، لتشكّل القضبان التي اصطفّت حول كلّ مزار، صانعةً أسواراً أمام الأسوار.

والحقَّ أقول لكم، لست بصدد الخوض في العمارة التقليدية الكويتية، فلا أشك لوهلةٍ مللكم من التطرق لهذا الموضوع الذي قُتِلَ جمعاً وتفريقا، وأُشبِع بحثاً وتعليقا، لكن ذاك الشعور العجيب الذي يلازمني في مشاهدة تلك المباني القديمة، ما تهدّم منها والسليمة، والذي لا ينفك يجذبني إليه انجذاب العاشق لعيون معشوقته، والسهم المارق لاصطياد رمّيته، شعور البحث عن حياة الأجداد، والبعث للأمجاد، والتزام الطُوِيَّة، وتطوير الهُوِيَّة.

لقد أنجدتني فكرةٌ من الفشل في العرض التكميلي النهائي للمقرر الخامس من مادة التصميم المعماري، والتي كانت تحت إشراف الدكتور محمد الجسار، لذا لا بد لهذه الفكرة أن تظهر للملأ؛ إذ سألت جدتي -وهي المولودة في سنة المجلس كما يسميها الكويتيون القدامى- عن طبيعة حياتهم، وأشكال بيوتهم، فأخذت قرطاساً وقلما، وخطّت خطوطاً ورسمت رسما، وبدت وكأنها تكتشف بيت أبيها على الورق! تذكّرت حينها طفولتي، حينما كنت أجمّع قطع التركيب في أشكال، فهل يا ترى هكذا يفعل المعمار الكويتي القديم؟ يرسم الفراغات في خياله ويركبها على الرمال؟!

أعلم أننا كشعوب نامية لم نصل بعد، ربما، للمرحلة التفكيكية التي تجاوزها المتقدمون، إذ أن فلسفة ما بعد الحداثة لا زال تشكّل قيمنا ومفاهيمنا الحياتية، لكن القفز الزماني، وتَخَطّي أو حرق المراحل، سمة إنسانية. وصل المتقدمون إلى تجريب النظرية التركيبية. متابعةٌ سريعةٌ للمسلسلات والأفلام الأجنبية تُظهِر تعمد تجميع الشخصيات في قصة واحدة. ألِس في بلاد العجائب، تزورها ياسمينة، فيختطفها جعفر رهينة، انتقاماً من علاء الدين، ليقوم الأقزام السبعة بإنقاذها، ويقايضوا بها بياض الثلج المغشي عليها بعد رؤية الوحش اللعين! هل مر عليكم عنوان الرواية التالية: "قيس وليلى والذئب"؟! أعتذر للرقيب إن ملك مقصّاً هنا، فهذه ليست دعاية، لأني لم أقرها أصلاً!

ما أود قوله بعد ديباجتي هذه أن أجسادنا تتأثر بحركة الزمن المستمرة واللانهائية، لكن أرواحنا ثابتةٌ مهما ضربتها معاول التغيير. والبنيان كالإنسان، كما عبّر المعمار الكويتي (جعفر إصلاح)(١) الفنّان، لا يُستَبان، ولن يمدك بالبيان والتوضيح، ما لم تمرّر عليه مشرط التشريح. والروح فيه الأصل، ومصدر العقل، لا تبلغ فيها الجادة، إلا بإلحادك بالمادة. والأرواح تتآلف وتتخالف، وجُعِلت قبائل وشعوب، وأقامت عهوداً ومعاركاً وحروب، فتمايزت جواهرها، وتفردت مظاهرها، ولن يُصلِح العطّار، ما أفسدته الدهور والأقدار. ولا شك {.....الروح من أمر ربّي.....}، إلا أنكم {.....أوتيتم من العلم.....} ولو قليلا.


أدعوكم، وإن كانت دعوتي تمر عبر بوابة التجريب، للانتقال إلى عمارة التركيب! وهي تتطلب العيش في حالة خاصة، لتصميم كل حيّزٍ على حدة، ثم جمع الأحياز في محيط الخلاء المُختار، والربط بينها كما صُمِّمَتْ، ثم إجراء التعديل المطلوب إن كانت هناك حاجةٌ لذلك. ولن تتعارض هذه الطريقة مع ما اعتاد عليه فن وعلم العمارة من خطوات، كتحليل الموقع والحاجات، ودراسة المساحات، وتقسيم المطاقات، وانتقاء البدائل والاقتراحات.

تذكرت في عرض مشروعي مبدأً كنت قد التزمته في تعريف الهُوية وهو: أن الهُوية ليست الصورة القديمة، بل هي الزاوية التي منها، والطريقة الني بها، تم التقاطها. كان العرض النهائي الأخير، فقلت: إن هُويتنا المعمارية الكويتية ليست جدراناً طينية، تحمل عوارضاً خشبية، وسقوفاً جريدية، بل هي كما فعلت جدتي بالضبط، توقٌ نابعٌ من دواخل الإنسان، لاكتشاف المكان، وتركيبه في زمان. فـ "العاطفة والحنين هما القوتان الدافعتان اللتان تقفان خلف كل مجهودٍ وابتكارٍ بشريٍّ مُلهِم مهما تخفّا هذان الحافزان وتستّرا وراء مختلف الأقنعة وأشدِّها غرابة."(٢)

في الختام، وبعد أن طال الكلام، الشكر أهديكم، يرافقه اعتذار، للصبر، بل للاصطبار، فبلوغ خاتمة المقال، كاد يكون من المحال، وصدقوني لو أقول، بأن ذهني قد نسى درباً سلكته للوصول، لكنه شرحٌ يطول، ولطالما تمت به كل الفصول، واختياري من النقول، فالحمد للمنّان على إلهامي، وعلى من اتبعوا هداه سلامي.

هوامش:
* نُشر المقال -قبل إعادة تحريره وإدراجه هنا- في المجلة المعمارية (tsquare) عدد أيلول/ سبتمبر لعام ٢٠١٥ وهي بإدارة مجموعة من طلبة كلية العمارة بجامعة الكويت. 
** (KASA) جمعية الطلبة المعماريين الكويتية - Kuwait Architecture Student Association.
(١) "فالجسد بيت الروح وإذا لم تحاول كشف سر هذا الجسد،الذي تسكن فيه روحك، فلن تستطيع أن تفهم ما هي العمارة أو تصبح معمارياً مميزاً" جعفر إصلاح في مقاله بعنوان (الجونة معزوفة معمارية) بمجلة العربي: العدد ٥٨٤ - باب الفنون.
(٢) مقال (الدين والعلم) - آيْنِشْتايْنْ : ١٩٣٠.

الخميس، 5 أبريل 2018

تحياتي

مفرداتٌ نثرتها في منتدى الأمة بين عامي ٢٠٠٣ و٢٠٠٥
(١)
تَحِيّاتي| بِشَوْقي وَاضْطِراباتي| بِـ (لا ءاتي)| تَحِيّاتي مُنى الأَلْوانِ في طَيْفي وَأَنّاتي| وَثَوْبُ الآهِ مُنْزَلِقاً تَحْتَ الجُرْفِ .. دَمْعاتي|
(٢)
وُحَياتي| مِلْؤُها نارٌ تَلَهَّبُ حَوْلَ صَلاتي| بَرْدُها اشْتَدَّ عَلى خَلَجاتي| وَمَهْما هَطَلَ الْمَطَرُ لِيُطْفِئَ شِعْري| صاحَ بَرْدي يُقَلِّبُ فيني أَبْياتي!| وُحَياتي؟!| تَعَبَ الْخَطْوُ يَخُطُّ الْخَطَّ بِخُطُواتي| تَعَبَ الْقَلَمُ لِحِبْرِهِ يَنْفُثُ .. وَرَقُ الْخَريف سَيُسْقِطُ باحاتي!|
(٣)
وَيَأْتي| كَطِفْليَ يَلْهو بِرَوْضاتي| كَمَجْدي، كَصَرْحي، كَما الآتي| وَيأْتي؛ شَبابٌ مِنَ الْحُلْمِ يَصْحُوَ؛ زَهْراتيّ| مُفْعَمٌ بِالْهَوى؛ نَغَماتيّ|
(٤)
وَآتي| مُشْتاقٌ إِلى الْأَفْراحِ وَالْأَحْزانْ| إِلى الْأَلوانْ| إِلى التَّغْييرْ| مِنَ التَّقْصيرْ| إِلى الْإِتْقانْ| وَآتي ضِدُّ الرّيحِ امْتِداداتي| لِلُقْيى الْأُفْقِ نَظَراتي| لِعاليها سَحاباتي| لِمْطَلَعِ بَيْتي| تَحِيّاتي|

الخميس، 26 يناير 2017

مُعَلَّقْتي

أبي أكتبْ| معلّقتي| وْبعد أعتبْ| على هجر الحبيب اللّي تملّك گلبي في يسراه| وُهو بْكفّه يِگضْبه حيل| وُلا تسمع أذونه الآه| ولا گليبه الحمر گد حس| عوار گليبي اللّي اندس| في مخباه| غرّك يا حبيبي إنّي على استعداد| لين الموت!| وِنّي راضي حتّى لو تخنگني بـ يدّينك| كثر ما دامت رگبتي تظل وسطى لكفّينك| وَنا اتْخيّل دفى انفاسك على خدودي| تبوس وتنبت وْرودي| وَنا اْبوسك على راسك| وِذا بِاسمك أنادي قلت: آمر يا نظر هالعين| أبيك اتْطيعني يالزّين| أبيك بكلّ ما تگدر على اليسرى تحط يمناك| وْعلى گلبي يزيد الضغط| يزيد الضغط على گلبي| إنّك تمسكه لَاجْلك أبيه يحس| تشبّث فيه| لَ تْخلّيه| أخاف إنّه مثل ما اندس في مخباك| هالگلب الخضر ينگز| ويندس في مخابي الغير| ترى گلبي كما أي طير| بين أغصان يتْنقّل| ولا هد الغصن يبني عليه العش|  أبيك تكون| تالي اللّيل| بعد رجعتي لعشّك| ولاغصانك| حضن دافي وعسل شافي| بگت ختمه| تنوّر لك مساء دروبك العتمه| شنهو اللّي تبيه أكثر؟| أييبه لك وَنا أگدر| ملكت عگله| ملكت گلبه| وحبّك داخله وصّلته للقمّه| تكفى اللي بگى منّك بعد خطوه| إخذ إسمه!|
#أ #ب #ت #ث #خالد_اسنافي

گ= حرف (ق) كما ينطقه الكويتيون والصوت شبيه بحرف (ج) كما ينطقه المصريون

الأربعاء، 5 أكتوبر 2016

معضلة الإنتخابات الطلابية والعنف الطلابي!

تعاصرنا هذه الأيام أهم مناسبة طلابية كويتية على الإطلاق، ألا وهي مناسبة انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت والجمعيات والروابط لكليات جامعة الكويت. ورغم كل نشاط يملأ هذه المناسبة من حوار ومناظرات وبرامج طلابية، إلا أن الصحافة الكويتية -وبتعمّد مفضوح- لا تسلط عيون أجهزتها التصويرية ولا تشحذ أقلام كتابها إلا ضدها، والتي لا تنفك تصورها حلبة ملاكمة بين طلاب يتخذونها سبباً في تدنيس حرم الجامعة المقدس عبر ممارسة هواية العنف!

وقد كتبت بالأمس مجموعة من التغريدات في تطبيق المُغرّد\تويتر معلقاً على أحداث العنف الطلابي، سواء الإنتخابية منها أو غير الإنتخابية، ورداً على من يحتج بهذه الأحداث في مطالباته بإلغاء الإنتخابات. ولأعيد صياغتها في هذا الموضوع، سأفترض أن ٥٠ طالباً تسببوا طوال العام الدراسي بارتكاب ٢٥ مخالفة عنف، واسمحوا لي وفق افتراضي هذا أن أتساءل: هل تعميم تلك المخالفات على أكثر من ٥٠٠ طالب وطالبة -على أقل تقدير- يمثلون الفاعلين في انتخابات الجامعة من الحصافة بمكان؟ ولأجاوب: أن ذلك التعميم -عدا عن كونه ظلمٌ بيّن- هو قِصَرُ نظر! ولو وُجدت إحصائية شهرية بأحداث العنف الطلابي داخل الجامعة، لوجدناها تؤكد أن عدد الحالات في أي شهر ستفوق تلك الحالات التي تحصل خلال شهر الإنتخابات. وأظن أن الإعلام غض بصره عنها حتى لا يطلع علينا أحد مخابيل الأمة من يلطم لإغلاق صروح العلم كلّها!

لقد قمت بنفسي- أثناء خوضي لتجربة العمل الطلابي عبر قيادتي دفة فرع القائمة المستقلة بكلية الهندسة والبترول في العام الدراسي ٢٠٠٦\٢٠٠٧- بإحصاء حالات العنف طوال ذلك العام، شاملاً الإنتخابات الطلابية التي جرت أول العام الدراسي اللاحق. وبتحليل الدراسة الإحصائية خرجت منه بالنتيجة التالية: أن المنضوين لمجموعات العمل الطلابية هم الأقل في ارتكاب حالات العنف، ذلك أن الإنتماء للمجموعة يفرض قيماً على الأفراد لا يتحلّون بها وهم في حالتهم الفردية الخالصة، كالمحافظة على نقاء صورة المجموعة، وحسن سمعتها. بل يسعى هؤلاء الأفراد المجموعيين إلى تغيير الصورة النمطية المشوهة لمجموعتهم ما وسعهم ذلك، بالتزام السلوك القويم، والأخلاق الحسنة، وعدم مخالفة الآداب العامة والأعراف، وهي قيمٌ لا يُعيرها الفرد اهتماماً وهو في حالته الفردية الخالصة، فيستسهل ارتكاب العنف محافظةً على كبريائه.

بل إنّي -لخبرتي الطويلة في العمل الطلابي- أذهب إلى أبعد من ذلك، لأبرئ كل الحركيين الحقيقيين المنضوين تحت لواء الحركة الطلابية، الذين انتموا لمجموعاتهم قناعةً لمنطلقاتها، لا فزعةً لأفرادها، ولا نكايةً بخصومها  -إلا ما ندر منهم- من حالات العنف تلك. ولا أدّخر ظنّي في رمي تلكم النّوكى ممن فزع نصرةً لصحبة لا لحق، أو لمصلحة خاصة، أو نكايةً بغريم، لأتهمهم بأكثر حالات العنف الطلابي الإنتخابية التي حفظتها ذاكرة الحركة الطلابية الكويتية وسجلات الصحف المحلية.

الثلاثاء، 26 يوليو 2016

رأيٌ؛ في الفكر وماهيته

فكّر يفكّر تفكيراً، فكرة وأفكار، فهي فِكْرٌ،
فكل فرد أو مجموعة يستطيعون تعريف ذواتهم وإنشاء مبادئهم وتشكيل أهدافهم ووسائل عملهم لديهم فِكْر.

وتحديد ماهية الفكر لها منطلقين؛ تفصيلي، وإجمالي. يتفصل الفكر بالتشريح والتحليل ويُجْمَلَ بالتوصيف والتسمية. والإجمال مهمة النُّقّاد. ولا يبلغ الإجمال مبلغه إلا أن يبلغ التفصيل تمامه، لأننا لا نستطيع التعرف على هوية الفكر الماركسي مثلاً إذا لم نطلع على أفكار كارل ماركس!.

فالحقيقة إذن أن وصف الفكر وأسمه لا يدلان على هويته ولا يعكسها مفرداتهما! فلا يصح الإستدلال بهما على وجوده وإلا كان سفهاً ممن طلب ومن أجاب. فكيف نستدل على الفكر إذن؟ قيل "إنما الأعمال بالنيات" فالأفعال دلالة على صدق قول المرء أو كذبه، فمُدّعو الحرية المترفون كذبة لاجئون تابعون، ودعاة إستقلال الآراء الذين يجبنون عن الإفصاح عن آرائهم ويُذيبون ذواتهم في المجاميع إمّعات، وأمّة كتلك هي أمة من الأموات. فرَمْيَة الفكر لا بد لها من رَمِيّة!.

ووصف وأسم الفكر إن كانا لا يدلان على وجوده فهما دليلان على نفي وجوده! فالإسلاموي المستقل إن لم يكن باحثاً متخصصاً كيف له أن يستقل برأيه؟! فإن كان هذا العامّي لا يدرك تنافر الوصفين فهو لا فكر له! فالإدراك عنصر من عناصر التفكير الذي إن غاب جزءه غاب كله! وحضر إن إدرك وصوّب واعتذر.

نشرت كسقسقات (تغريدات) في المغردة (تويتر) بتاريخ ١٩\١٢\٢٠١٤

السبت، 19 مارس 2016

رأي؛ في العلاقة السياسية لأسرة الحكم مع الكويتيين: بين النظرية والتطبيق


اختزلت المذكرة التفسيرية للدستور الكويتي شكل المشاركة السياسية لأبناء أسرة الصباح الحاكمة  في شكل التعيين الوزاري فقط، وعللت ذلك لسببين:

-الأول: لتمكين الناخب الكويتي من ضمانات الحرية الكاملة وكفالة حق إختياراته لمن يريد من المرشحين للنيابة عنه في الرقابة والمحاسبة والتشريع. ويُفْهَمُ من التعليل هذا أن الناخب في بدء الحياة الدستورية للدولة كان لا يزال يرى سُلُطاتاً لأفراد الأسرة الحاكمة رغم اختزال الدستور لها. كما يُفْهَمُ كذلك حرص كبير الأسرة، وهو الأمير هنا -طالما أن المرحلة الدستورية بدأت منه منحةً- على عدم تدخل أفراد أسرته فيما يختاره شعبه.

وقد أسقط الواقع العملي هذا التعليل إذ لم يكتفِ أفراد الأسرة الحاكمة بممارسة حقهم الدستوري كما شرحته المذكرة التفسيرية في الإنتخاب فقط، بل لجأوا إلى تحريض الأتباع للترشح ومدوهم بالدعم من خلال استغلال سُلُطاتهم "المُخْتَزَلَة" حتى إذا فازوا بعضوية البرلمان شكلوا كتلاً وجماعاتاً يكون دورهم الضغط على رئيس الوزراء لتكليف من دعمهم للفوز بعضوية البرلمان بوزارة حساسة يستغلها بطموحه كعتبة توصله إلى سدة إمارة الدولة.

-أما السبب الثاني: فهو للنأي بأفراد الأسرة الحاكمة عن التجريح الذي لا تخلو منه المعارك الإنتخابية. وهو تجريح أخف من إستجواب النائب للوزير.

وإذ كان الحال كما شُرِحَ آنفاً ولكل طموح من أفراد أسرة الحكم كتلة برلمانية يوجهها لتجريح إبن العم الخصم صارت المعركة الإنتخابية لهم أنئى.

الجمعة، 4 مارس 2016

مكمن الخلل

نقد الأنظمةَ السياسية وبرامجَها مقبول لدى الناقد والمنقود، فيما الفرق الدينية تحرِّم وتجوِّز نقدها حسب حالها منقودة كانت أم ناقدة. وما أباح النقدَ السياسي اشتراكُ الناقد والمنقود في موطن ومصلحة، وهما مفهومان في نظر فرق الدين أدنى من المعبود والجنة، وعليه يكون نقد التمذهب أشد إباحة. ولأن مرجعية نقد النص السياسي عقلية، ولأن العقول في اختلاف، بينما مرجعية نقد النص المذهبي وحيية، فوقوع الاختلاف فيها عقلي لا وحيي، فيسوغ النقد إذن لكليهما. وطالما أن طريقةَ الفرقة أو مذهبَها هو البرنامج السياسي، وعقيدتَها هي النظام، والجنةَ هي المصلحة المرجاة من تطبيقهما، فألا تتطلب قبول تعريضهما للنقد؟! بلى. إذ لا ينتج عن الوحي الإختلافَ إلا ما تأثر منه بالعقل، وهذا مماس النقد، أما غرضه، إستظهار الوحي كما هو، والإنتقال به من وحي متأثر إلى وحي مؤثر.

الكويت في ٣٠ حزيران ٢٠١٥

السبت، 30 يناير 2016

رأي؛ في شكل التعليم (منفصل-مشترك)

لاختلاف تكوين كل منهما، يملك الطلبة والطالبات وجهاتَ نظر مختلفة تجاه الحياة. مشاركتهم  وجهاتَ النظر هذه ستقدم الفائدة الأكبر لهما على فهم كل منهما للحياة. لذلك جاء شكل التعليم المشترك، الذي يتطلب نجاحُه بيئةً تعليميةً غيرَ تقليديةٍ، لا تقوم على الحفظ بل على طرح الأسئلة والمشاركة في بحث إجاباتها.

ولاختلاف المرجعيات الثقافية للناس، فشكل التعليم المشترك سيكون وبالاً على بعضهم -خصوصاً من لا تتوافق مرجعياتهم الثقافية مع هذا الشكل- مما يوقع خسارة لهذه المجتمعات التي ستمنع التعليم عن ابنائها وبناتها بحجة محاربة شكل تعليمي لا يتماشى مع ثقافتهم وأخلاقهم وسلوكياتهم وفهمهم وطريقة عيشهم.

شكل التعليم، سواء كان منفصل أو مشترك، ماهو إلا أداة تتحقق من خلالها أحدى فلسفات التعليم، سواء التقليدية منها أو الحداثية. وهي كلها معتبرة وترتفع بمستوى التعليم في أي بلد إذا أُحْسِنَتْ توظيفاتها، دون أن ترتكبَ أيّةُ مرجعية ثقافية جريمةَ الوصايا على الأخرى.

الكويت في ١٦ كانون الأول/ ديسمبر ٢٠١٥

الجمعة، 22 يناير 2016

رأي؛ في الحالة الإنتخابية للقائمة المستقلة بجامعة الكويت

تأسست القائمة المستقلة بجامعة الكويت في العام الدراسي ١٩٨٥-١٩٨٦ بينما تأسست القائمة المستقلة في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب في العام الدراسي ٢٠٠١-٢٠٠٢. واستطاعت الثانية الفوز بالاتحاد العام لطلبة ومتدربي الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب عام ٢٠٠٥، فيما لازالت محاولات الاولى مستمرة.

فشلت مستقلة الهيئة بالاستمرار في قيادة الاتحاد بعد عام ٢٠٠٥ رغم انها ممسكة بزمامه في السنوات الثلاث السابقة بالإضافة للسنة الحالية، ولا شك ان سبب الفشل هو الفوز المفاجئ.
رغم اختلاف الساحة الانتخابية، الا ان مستقلة الجامعة تسير نحو الاتحاد كما سارت اختها في المرة الاولى، أي هي تنتظر ذلك الفوز المفاجئ ثم لتخسر!. هل يستطيع مخلص للمستقلة التشكيك في هذا الكلام؟ بالتأكيد لا، لأن الكل يعلم ان الجيل الحالي أصلاً غير مهيأ كلية لمرحلة قيادة الاتحاد الوطني للطلبة!!. والحقيقة اننا بالكاد جداً استطعنا اقناع الفروع بالتركيز في انتخابات الاتحاد وذلك لمصلحة الفروع بالنهاية. نجاح أي تنسيق عام هو التأكيد على الربط بين مصلحة الفرع واجتهاده في انتخابات الاتحاد كاجتهاده في انتخابات الجمعية او الرابطة بل أكثر.

كيف السبيل للانتصار المستمر إذن؟! على كل فرد بالمستقلة أن يقنع نفسه بأن الفوز ليس مسألة أرقام، هو مسألة يقين وإيمان داخليين بالقدرة على تحقيق الفوز. هذا الايمان سيفتح كل الابواب أمام اي مجموعة مهما قل عددها لكل أشكال النصر غير المتوقع! وهو الدافع للعمل الجاد الذي لولاه ينعدم كل كلام بإيمان المجموعة بالإنتصار!. وكل هذا سيجبر كل مجموعة على انتقاء أصفى نماذجها الشخصية لتمثيلها في أي انتخابات.

القناعة بالقدرة، والعمل الجاد، واختيار النموذج هو الانتصار.

الخميس، 14 يناير 2016

رأي؛ في أول تجربة إنتخابية في حقل جمعيات النفع العام

إنّ خوض انتخابات جمعية نفع عام والمساهمة بخدمة المجتمع من خلالها، فكرة تستحق بذل المُستطاع لبلوغها. الجميل فيها أنّ المنافسة تتم بين مجاميع حريصة -ظاهرياً- على تحقيق "النفع العام"، وهي منافسة تُظهر -من المفترض- الخصال الأجمل فينا، حتى نبلغ "النفع العام المعنوي" بالإضافة إلى "النفع العام المادي"، الذي نريد أن يتلمسه المجتمع من خلال أداءنا في قيادة مؤسسات المجتمع المدني.
لكن الحقيقة مؤلمة وللإسف! حيث بلغ البعض مبلغاً في فجوره، جاعلاً من المنافسة -التي لا نزال نريد لها أن تكون شريفة ومحصّنة من العيوب والمخالفات- جعلها "البعض" خصومة شخصية!، منزوياً خلف الألاعيب "السياسية" الممجوجة، والتي ما إن أُقحِمَتْ قسراً وإجباراً حيّز النفع العام حتى حولته إلى مضرة إجتماعية لم يطل منها مجتمعنا أية منفعة!.
ذلك "البعض" الذي كنا نعدّه "تركة" الجيل الوطني الجميل، المؤسس للتعددية والمشاركة الشعبية وحماية المكتسبات والالتزام بالقانون و"الدفاع عن المال العام" والحريات والديموقراطية ودعاة "التحالف الوطني". تلكم "التركة" التي حَسِبَت الدفاع عن المال العام مقعداً ورثته من ضمن ما ورثت من المؤسسات "المتهمة" باستغلال المال العام والتي طفحت صفحات تقارير ديوان المحاسبة  بمخالفاتها!.
تلكم "التركة" التي صمتت صمت الأموات في المقابر إزاء كل قضايا المال العام المتداولة مؤخراً -إلا من بيانات- فيما تفاعلت مع قضايا جانبية لا صلة لها بالمال العام، لأنها قضايا تمس اطرافاً شللية تريد تلكم "التركة" احتواءها لتمرير مصالحها في الجهات التنفيذية.
تلكم "التركة" التي تناست الأيادي الممدودة لمعاونتها على "إحقاق الحق" و"إزهاق الباطل" و"نصرة المظلوم" و"رد الظالم عن ظلمه"، تناستها لأجل مكاسب خاصة، متهمة إياها بالفساد تارة وباستغلال زمرة الفساد لها تارة اخرى! فبئست "التركة أنتم".
ورغم ما شاب هذه التجربة الوليدة لي من مُدَنِّسات "المُدَنِّسون"، إلا أنها محفزة لتطهير الدنس الذي شابها، مُمَنِّي النفس على تطهير مُدَنِّسيها الذين يريدون "الخلاص" من الورطة التي وُرِّطوا بها! والخلاص يرافقه الألم فليرحمكم الرب، ولينصرنا الله إن شاء، فإننا نعم "التركة"، وعلى الباغي تدور الدوائر.

الكويت في ٢٥ آذار/ مارس ٢٠١٤

الاثنين، 4 يناير 2016

رأي؛ في انتخابات نقابة العاملين في شركة نفط الكويت

وُجِدَتْ النقابات كمؤسسات تمثل العمّال وتسعى لإثبات حقوقهم وتحقيق مصالحهم وأمانيهم، ولتمنع بكل الطرق الممكنة الإعتداء عليها. ونقابة العاملين في شركة نفط الكويت لا تشذ عن هذا التعريف.

ولأن مصالح العمّال مختلفة، حُقَّ لهم عمل مجموعاتهم الخاصة وتنظيم قوائمهم الإنتخابية في سبيل المنافسة على مقاعد النقابة، كل يدلي بدلوه ويقدم جهده وجهيده، فيما تحتفظ الجمعية العمومية للنقابة (أي أنتم مُخاطَبي) بالقرار الفصل والحكم العدل.

ورغم اختلاف المصالح الواضح، والذي لا يمكن التشكيك فيه، إلا أن الظروف السياسية المحلية أبت وساستها، إلا أن تقدم "البديل الإستراتيجي" لاختلاف المصالح هذا. البديل لاختلافنا نحو اتفاقنا، البديل لتشرذمنا نحو توحدنا، البديل لتفرقنا نحو اجتماع كلمتنا.

يتبنى مجلس الأمة -بجديّة واضحة- مشروعاً لتعديل الفروق في الرواتب بين موظفي الدولة، وهو يشرك موظفي القطاع النفطي ضمن هذا المشروع الذي لن يثمر بالنسبة لنا لا المنّ ولا السلوى!. فيما لا تُقابل جدية مجلس الأمة بجدية مماثلة من ممثلي النقابات النفطية واتحاد العمّال!. وهذا لعمري إهمال تحوطه العديد من علامات الإستفهام والتعجب. كما لا يمكن أن ننسى سياسة المهادنة التي مارستها نقابة "الإئتلاف" في السنتين الأخيرتين، والتي كانت نتائجها وبالاً على مكتسباتنا بدءاً بتخفيض نسبة مشاركة النجاح مروراً بكل ما أُثير بعدها مما أضر بنفسية العمّال وأثر في إنتاجيتهم.

ونتيجة لما سبق، نحن العاملون في شركة نفط الكويت، بحاجة ماسة إلى مجموعات منظمة تحمل "رؤية" تنتشلنا من واقعنا البائس إلى مستقبل قادم أجمل. "رؤية عمالية" لا تهادن في سبيل تحقيق مصالحها الخاصة، ولا تهمل مصلحتنا العامة.

زملائي وزميلاتي، أجعلوا السادس من يناير القادم رسالة تقطع أكف كل من ينوي الاعتداء على حقوقنا ومصالحنا وأمانينا.

الأحد، 26 أكتوبر 2014

لماذا "يجب" أن أكون معماري؟

سؤال توارد إلى ذهني منذ أن قررت ترك استكمال تعليمي الجامعي في مجال العَمارة! أقول "يجب" ولا أقول "أود"، لأني قد تجاوزت مرحلة الودية تلك بعد أن وَلِجْتُ فعلاً  في دراسة التخصص من خلال قبولي طالباً في جامعة الكويت. ولا أقول "لزاماً عليَّ"، لأنني مررت خلال دراستي بشعور الإلزام النفسي الذي لم يُؤتِ أُكُلَهُ، بل على العكس، كانت له ردة فعل نفسية انعكاسية سلبية!.

أقول "يجب"، لأن الدافع الذي يقودني منذ أن تركت الجامعة حقيقي الوجود، بل أحق من كل ما كان يدفعني لاجتياز المقررات الدراسية، أو على رأي أهل الفلسفة هو دافع "واجب الوجود".
لم أكن لأطمئن لهذا الدافع، لخشيتي من أن يكون ردة فعل كغيره، فرُحْتُ في رحلة كالتي ارتحلها الإمام الغزالي بحثاً عن الحقيقة، لأعرف هل دافعي من المحسوسات، أم من المعقولات التي تبطل المحسوسات، أم من الأحلام التي تبطل المعقولات، والأحلام أوهام وخيالات ليس لها من الواقع صلة! أم أن دافعي نور قذفه الله في القلب! فهَلُمّ معي قارئي لمراجعة سفر الذاكرة.

أتممت تعليمي الثانوي ضمن نظام المقررات - تشعيب الرياضيات في حزيران/يونيه بنسبة تجاوزت الـ٩٠٪. أغرتني نسبتي بالتوجه لوزارة التعليم العالي أملاً في ابتعاثي خارج البلاد، فالمشهور أن التعليم في الصين مطلوب! قُبِلْتُ ولله الحمد في تخصص هندسة تكنولوجيا الأشعة! رغم أن رغباتي الثلاث الأولى كانت: ١-العَمارة ٢-الهندسة المعمارية ٣-الهندسة المدنية! ولما سألت عن إمكانية التحويل بعد الابتعاث أُجِبْتُ بالنفي، فتوجهتُ لجامعة الكويت التي قبلتني فورياً في كلية الهندسة والبترول - تخصص العَمارة.

هل ذكرت لكم أني اخترت الرياضيات تشعيباً؟ حيث أن نظام المقررات كان تخصصياً نوعاً ما، إذ يوزع الطلبة آنذاك حسب رغباتهم في تخصصات متفرعة بين العلمية والأدبية. وكان يسمح لنا باختيار مادتين حسب رغبتنا، ووقعت اختياراتي على مادة الرسم التشكيلي والرسم الهندسي، كما شاركت في مسابقة على مستوى وزارة التربية للرسم الهندسي حصلت فيها على المركز الرابع! إخترت الرياضيات لأنها أم "الجيومتريّة - هندسة الأشكال". كان اختياراً في الحقيقة منذ الإختبارات النهائية للسنة الأخيرة من المرحلة المتوسطة! كانت تستهويني استنتاج البراهين والنتائج من المقدمات المتوافرة في الأشكال المثلثة التي تتوسط الدوائر!.

ربما تسأل/ي عن ماهية الشيء الذي وجهني نحو هذا التفكير، وهو تساؤل مشروع، والإجابة أن والدي أطال الله في عمره قد منحته الدولة أرضاً ليبني عليها منزلنا، وكنت كأي بكر لأي والد في هذه المرحلة العمرية، دائم المرافقة لوالدي، فأخذني مرة إلى مكتب استشارات معمارية، وشاهدت لأول مرة في حياتي شعوراً تبصره الروح لا العين المجردة! كنت البطل في المشهد المرئي المتحرك لرسوم الأطفال عندما تلقي عليه الجنية الصغيرة الغبار السحري، أصدقكم القول أن إله الحب كيوبيد قد نزل الأرض في تلك الليلة!.

هل هي القَدَرِيّة إذن؟ بالطبع، لكنها قدرية النتائج لا قدرية الأسباب. إذ لو تغيرت المشاهد إلى غيرها لأتتني بالنتائج ذاتها، لإن الأسباب مذكورة في الصفحات التالية من السفر.

رجع والدي مرة من رحلة تجارية من ماليزيا، كان جهاز الألعاب النِنْتِنْدو٦٤ يغزو الساحة، فأهداني إياه أبي، وكان ماريو الخارق هو اللعبة المتوفرة في الجهاز. بالرسم الثلاثي الابعاد يدخل ماريو قصر الأميرة دُرّاقة، ولا زلت أحتفظ بمخططاتي التي أحاول فيها أن أوزع فراغات القصر، كان ذلك قبل عام ١٩٩٨!.

كانت أجمل ألعابي نوع من الطين أخلطه بالماء وأضعه في قالب ثم أتركه يتماسك تحت أشعة الشمس، ثم ألصق القطع بمادة لاصقة لأكون منزلاً يظهر شكله على غلاف اللعبة!.

أهداني أبي كتاباً عن الرسم الهندسي الزخرفي. تطبيق ما جاء في الكتاب كان من أمتع اللحظات في حياتي!.

كُلِّفْتُ مرة من أستاذ العلوم بعمل مجسم لمنزل، وقد ساعدني أبي في تقطيعه وتركيبه من الخشب والمسامير والغراء اللاصق!.

وفي بورتسموث، إحدى قرى لندن، كان والدي مبتعثاً هناك وكنا نزوره في عطلة الصيف. كان يعيش في منزل خشبي بمساحة ٥ أمتار في ٧ أمتار من طابقين. كان في المخزن أسفل الدرج صندوقاً من الورق المقوّى. فصنعت منه قلعة ببوابة مربوطة بحبال حتى تُفتح وتُغلق!. كنت في المرحلة الإبتدائية حينها.

تم أسر والدي أثناء الغزو العراقي، فذهبنا إلى المملكة السعودية ومنها إلى مملكة البحرين. ألجأتنا الحكومة البحرينية مشكورة في منازل خشبية في حي من الأحياء يسمى عوالي. في الحديقة الخلفية كنت وبنات خالي البكر نتابع مسير النمل. وكنا نحفر الأرض باتباع ذاك المسير لنشكل جسوراً وأنفاقاً وشوارع. وكان بين حديقتنا وحديقة جارنا الإنجليزي فتحة اغلقها بطابوق أحمر، وكنا نسرق الطابوق لنكمل ما بدأناه في مدينة النمل. كانت تلك المدينة حول شجرة استطعنا أن نبني عليها سلماً يؤدي إلى كوخ أعلاها.

لقد قدم لي القدر أسباباً احتفظ بها في تلافيف المخ مما يسمونه اليوم رواد علم الأعصاب وعلم النفس بالذاكرة، وقد أسميته سفراً أي كتاباً. ولو لم يأتِني القدر بتجربة تصميم منزل والدي لأتاني بغيرها من التجارب، لأنه هو ذات القدر الذي قدّم لي الأسباب التي تقرأون، وهو وحده المتكفل بالنتائج.

ربما يكون سفر الذاكرة مليئ بالصفحات غير ما تقرأون، لكن للذاكرة شروط وأحكام. وأعتقد أن مما تقدم فيه شفائي من الشكوك والأسقام.

لذلك "يجب" أن أكون معماري.

السبت، 9 أغسطس 2014

تأمّلات..

"الإجابة عن سؤال (لماذا أعيش؟) الذي طرحه طفلي عندما كان في الخامسة، لم تكن سهلة، ولم أستطع الرد إلا بعد أسابيع من التأمل، بعدها قلت: لكي تجعل العالم مكاناً أفضل مما كان عليه قبل أن تولد."


دانا زوهار
كاتبة وفيلسوفة أمريكية طرحت فكرة الذكاء الروحي -الـ"SQ"-

تذكّرت الفقرة السابقة من موضوع "اتجاهات تربوية ... الذكاء الروحي" للكاتبة الدكتورة أمينة التيتون* في مجلة العربي** حين استمعتُ لحوار صديق فسّر الوجود وفق الفلسفة المادية التي تعتمد على الملموس دون الماورائي في التفكير وبلوغ النتائج. إذ يرى العلم ديناً جديد، وذكر مقولة الفيلسوف نيتزچَ الشهيرة بخصوص الإله. ولا شك أن نتائج هذا التفسير على الأخلاق كارثية، إذ أن النظرة المادية تنفيها -إلا ما ارتبط منها بالنفعية الاقتصادية- طالما أن النظام والتنظيم مفقودين.

لكن -وهذا الجانب الساخر- أن المجتمعات المادية تنحى نحو النظام والتنظيم في جميع جوانب الحياة، إلا الروحي منها، بل ولا تخشى ممارسة العنف للإبقاء عليهما -أي النظام والتنظيم- وإن أدى إلى عنف أكبر، وتحتج بالحقائق العلمية الكونية، التي تؤكد نظامية العالم وترابطية قوانينه الطبيعية وسننه الكونية. بالإضافة إلى احتجاجها بالإرادة التوافقية التي لولاها لما بلغت ما بلغته، وهي إرادة نسبية يغيّرها الزمن، وتتطلب تغييراً مستمراً في شكل النظام وإسلوب التنظيم. وبالتالي، إن جاء فرد بغير الإرادة التوافقية، أو مجموعة أفراد، أو ربما أغلبيتهم، لقامت قيامة المادية عليهم بالقتل تارة وبالتشريد أخرى!.

والعلم، أداة المادية، وروحها إن صدق التعبير، يقول أن جزء الكوانتوم -أي شريط الطاقة- وهو أصغر جزء في البروتون أو النيوترون أو الألكترون، إذا أُزيح قليلاً عن قرينه، أو موضعه، لسقط كل شيء على أدمغتنا أثناء سقوطنا وتحللنا، كل ذلك في لحظة! فكيف تفسّر المادية هذا التوازن العجيب دون أن تقر بوجود الذات العاقلة؟ هذه الذات التي صممت كل قوانين الطبيعة، والتي جهلها أسلافنا لقرون، لا بد أن تبعث لنا من يعرّفنا عليها وعلى قوانينها. وإذ يستحيل أن لا تقبل العقول وجود نظام وتنظيم يؤشّران للذات العاقلة، يستحيل كذلك إقرارها باعتباطية الوجود والميلاد والموت، فطالما هناك نظام وتنظيم وضعتهما ذات عاقلة، وصممت قوانينهما، وجب أن يكون هناك حساب وجزاء وعقاب. والموت ليس عقاباً ولا جزاءاً، لأن التجارب الإنسانية تكفي لإثبات الموت حقيقة مستقرة ستمس جميع البشر، أخيارهم وأشرارهم، مصلحيهم ومفسديهم. فلا بد إذن من البعث بعد الموت، ولكي يتم محاسبة الناس هناك لا بد من وجود رسالات ورسل وبالتالي إله خالق مُقَدّر باقي آزلي.

وإن لم تصل بالتفكير المادي لهذه النتيجة أرجو أن لا تحتج يا صديقي بإثنتين، لا بالكهرباء، ولا بعقلك، لأنه من المستحيل أن تراهما، ومن المستحيل أن أنفيهما، وتلكما عبرة لمن أراد أن يعتبر، وكثيرٌ عقلَه يَعْبُدُ وهو لا يراه!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د.أمينة التيتون، آكاديمية من البحرين
** مجلة العربي، عدد ٦٦٩ أغسطس ٢٠١٤، صفحة ١٧٠-١٧٣