السبت، 19 مارس 2016

رأي؛ في العلاقة السياسية لأسرة الحكم مع الكويتيين: بين النظرية والتطبيق


اختزلت المذكرة التفسيرية للدستور الكويتي شكل المشاركة السياسية لأبناء أسرة الصباح الحاكمة  في شكل التعيين الوزاري فقط، وعللت ذلك لسببين:

-الأول: لتمكين الناخب الكويتي من ضمانات الحرية الكاملة وكفالة حق إختياراته لمن يريد من المرشحين للنيابة عنه في الرقابة والمحاسبة والتشريع. ويُفْهَمُ من التعليل هذا أن الناخب في بدء الحياة الدستورية للدولة كان لا يزال يرى سُلُطاتاً لأفراد الأسرة الحاكمة رغم اختزال الدستور لها. كما يُفْهَمُ كذلك حرص كبير الأسرة، وهو الأمير هنا -طالما أن المرحلة الدستورية بدأت منه منحةً- على عدم تدخل أفراد أسرته فيما يختاره شعبه.

وقد أسقط الواقع العملي هذا التعليل إذ لم يكتفِ أفراد الأسرة الحاكمة بممارسة حقهم الدستوري كما شرحته المذكرة التفسيرية في الإنتخاب فقط، بل لجأوا إلى تحريض الأتباع للترشح ومدوهم بالدعم من خلال استغلال سُلُطاتهم "المُخْتَزَلَة" حتى إذا فازوا بعضوية البرلمان شكلوا كتلاً وجماعاتاً يكون دورهم الضغط على رئيس الوزراء لتكليف من دعمهم للفوز بعضوية البرلمان بوزارة حساسة يستغلها بطموحه كعتبة توصله إلى سدة إمارة الدولة.

-أما السبب الثاني: فهو للنأي بأفراد الأسرة الحاكمة عن التجريح الذي لا تخلو منه المعارك الإنتخابية. وهو تجريح أخف من إستجواب النائب للوزير.

وإذ كان الحال كما شُرِحَ آنفاً ولكل طموح من أفراد أسرة الحكم كتلة برلمانية يوجهها لتجريح إبن العم الخصم صارت المعركة الإنتخابية لهم أنئى.

الجمعة، 4 مارس 2016

مكمن الخلل

نقد الأنظمةَ السياسية وبرامجَها مقبول لدى الناقد والمنقود، فيما الفرق الدينية تحرِّم وتجوِّز نقدها حسب حالها منقودة كانت أم ناقدة. وما أباح النقدَ السياسي اشتراكُ الناقد والمنقود في موطن ومصلحة، وهما مفهومان في نظر فرق الدين أدنى من المعبود والجنة، وعليه يكون نقد التمذهب أشد إباحة. ولأن مرجعية نقد النص السياسي عقلية، ولأن العقول في اختلاف، بينما مرجعية نقد النص المذهبي وحيية، فوقوع الاختلاف فيها عقلي لا وحيي، فيسوغ النقد إذن لكليهما. وطالما أن طريقةَ الفرقة أو مذهبَها هو البرنامج السياسي، وعقيدتَها هي النظام، والجنةَ هي المصلحة المرجاة من تطبيقهما، فألا تتطلب قبول تعريضهما للنقد؟! بلى. إذ لا ينتج عن الوحي الإختلافَ إلا ما تأثر منه بالعقل، وهذا مماس النقد، أما غرضه، إستظهار الوحي كما هو، والإنتقال به من وحي متأثر إلى وحي مؤثر.

الكويت في ٣٠ حزيران ٢٠١٥

السبت، 30 يناير 2016

رأي؛ في شكل التعليم (منفصل-مشترك)

لاختلاف تكوين كل منهما، يملك الطلبة والطالبات وجهاتَ نظر مختلفة تجاه الحياة. مشاركتهم  وجهاتَ النظر هذه ستقدم الفائدة الأكبر لهما على فهم كل منهما للحياة. لذلك جاء شكل التعليم المشترك، الذي يتطلب نجاحُه بيئةً تعليميةً غيرَ تقليديةٍ، لا تقوم على الحفظ بل على طرح الأسئلة والمشاركة في بحث إجاباتها.

ولاختلاف المرجعيات الثقافية للناس، فشكل التعليم المشترك سيكون وبالاً على بعضهم -خصوصاً من لا تتوافق مرجعياتهم الثقافية مع هذا الشكل- مما يوقع خسارة لهذه المجتمعات التي ستمنع التعليم عن ابنائها وبناتها بحجة محاربة شكل تعليمي لا يتماشى مع ثقافتهم وأخلاقهم وسلوكياتهم وفهمهم وطريقة عيشهم.

شكل التعليم، سواء كان منفصل أو مشترك، ماهو إلا أداة تتحقق من خلالها أحدى فلسفات التعليم، سواء التقليدية منها أو الحداثية. وهي كلها معتبرة وترتفع بمستوى التعليم في أي بلد إذا أُحْسِنَتْ توظيفاتها، دون أن ترتكبَ أيّةُ مرجعية ثقافية جريمةَ الوصايا على الأخرى.

الكويت في ١٦ كانون الأول/ ديسمبر ٢٠١٥

الجمعة، 22 يناير 2016

رأي؛ في الحالة الإنتخابية للقائمة المستقلة بجامعة الكويت

تأسست القائمة المستقلة بجامعة الكويت في العام الدراسي ١٩٨٥-١٩٨٦ بينما تأسست القائمة المستقلة في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب في العام الدراسي ٢٠٠١-٢٠٠٢. واستطاعت الثانية الفوز بالاتحاد العام لطلبة ومتدربي الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب عام ٢٠٠٥، فيما لازالت محاولات الاولى مستمرة.

فشلت مستقلة الهيئة بالاستمرار في قيادة الاتحاد بعد عام ٢٠٠٥ رغم انها ممسكة بزمامه في السنوات الثلاث السابقة بالإضافة للسنة الحالية، ولا شك ان سبب الفشل هو الفوز المفاجئ.
رغم اختلاف الساحة الانتخابية، الا ان مستقلة الجامعة تسير نحو الاتحاد كما سارت اختها في المرة الاولى، أي هي تنتظر ذلك الفوز المفاجئ ثم لتخسر!. هل يستطيع مخلص للمستقلة التشكيك في هذا الكلام؟ بالتأكيد لا، لأن الكل يعلم ان الجيل الحالي أصلاً غير مهيأ كلية لمرحلة قيادة الاتحاد الوطني للطلبة!!. والحقيقة اننا بالكاد جداً استطعنا اقناع الفروع بالتركيز في انتخابات الاتحاد وذلك لمصلحة الفروع بالنهاية. نجاح أي تنسيق عام هو التأكيد على الربط بين مصلحة الفرع واجتهاده في انتخابات الاتحاد كاجتهاده في انتخابات الجمعية او الرابطة بل أكثر.

كيف السبيل للانتصار المستمر إذن؟! على كل فرد بالمستقلة أن يقنع نفسه بأن الفوز ليس مسألة أرقام، هو مسألة يقين وإيمان داخليين بالقدرة على تحقيق الفوز. هذا الايمان سيفتح كل الابواب أمام اي مجموعة مهما قل عددها لكل أشكال النصر غير المتوقع! وهو الدافع للعمل الجاد الذي لولاه ينعدم كل كلام بإيمان المجموعة بالإنتصار!. وكل هذا سيجبر كل مجموعة على انتقاء أصفى نماذجها الشخصية لتمثيلها في أي انتخابات.

القناعة بالقدرة، والعمل الجاد، واختيار النموذج هو الانتصار.

الخميس، 14 يناير 2016

رأي؛ في أول تجربة إنتخابية في حقل جمعيات النفع العام

إنّ خوض انتخابات جمعية نفع عام والمساهمة بخدمة المجتمع من خلالها، فكرة تستحق بذل المُستطاع لبلوغها. الجميل فيها أنّ المنافسة تتم بين مجاميع حريصة -ظاهرياً- على تحقيق "النفع العام"، وهي منافسة تُظهر -من المفترض- الخصال الأجمل فينا، حتى نبلغ "النفع العام المعنوي" بالإضافة إلى "النفع العام المادي"، الذي نريد أن يتلمسه المجتمع من خلال أداءنا في قيادة مؤسسات المجتمع المدني.
لكن الحقيقة مؤلمة وللإسف! حيث بلغ البعض مبلغاً في فجوره، جاعلاً من المنافسة -التي لا نزال نريد لها أن تكون شريفة ومحصّنة من العيوب والمخالفات- جعلها "البعض" خصومة شخصية!، منزوياً خلف الألاعيب "السياسية" الممجوجة، والتي ما إن أُقحِمَتْ قسراً وإجباراً حيّز النفع العام حتى حولته إلى مضرة إجتماعية لم يطل منها مجتمعنا أية منفعة!.
ذلك "البعض" الذي كنا نعدّه "تركة" الجيل الوطني الجميل، المؤسس للتعددية والمشاركة الشعبية وحماية المكتسبات والالتزام بالقانون و"الدفاع عن المال العام" والحريات والديموقراطية ودعاة "التحالف الوطني". تلكم "التركة" التي حَسِبَت الدفاع عن المال العام مقعداً ورثته من ضمن ما ورثت من المؤسسات "المتهمة" باستغلال المال العام والتي طفحت صفحات تقارير ديوان المحاسبة  بمخالفاتها!.
تلكم "التركة" التي صمتت صمت الأموات في المقابر إزاء كل قضايا المال العام المتداولة مؤخراً -إلا من بيانات- فيما تفاعلت مع قضايا جانبية لا صلة لها بالمال العام، لأنها قضايا تمس اطرافاً شللية تريد تلكم "التركة" احتواءها لتمرير مصالحها في الجهات التنفيذية.
تلكم "التركة" التي تناست الأيادي الممدودة لمعاونتها على "إحقاق الحق" و"إزهاق الباطل" و"نصرة المظلوم" و"رد الظالم عن ظلمه"، تناستها لأجل مكاسب خاصة، متهمة إياها بالفساد تارة وباستغلال زمرة الفساد لها تارة اخرى! فبئست "التركة أنتم".
ورغم ما شاب هذه التجربة الوليدة لي من مُدَنِّسات "المُدَنِّسون"، إلا أنها محفزة لتطهير الدنس الذي شابها، مُمَنِّي النفس على تطهير مُدَنِّسيها الذين يريدون "الخلاص" من الورطة التي وُرِّطوا بها! والخلاص يرافقه الألم فليرحمكم الرب، ولينصرنا الله إن شاء، فإننا نعم "التركة"، وعلى الباغي تدور الدوائر.

الكويت في ٢٥ آذار/ مارس ٢٠١٤

الاثنين، 4 يناير 2016

رأي؛ في انتخابات نقابة العاملين في شركة نفط الكويت

وُجِدَتْ النقابات كمؤسسات تمثل العمّال وتسعى لإثبات حقوقهم وتحقيق مصالحهم وأمانيهم، ولتمنع بكل الطرق الممكنة الإعتداء عليها. ونقابة العاملين في شركة نفط الكويت لا تشذ عن هذا التعريف.

ولأن مصالح العمّال مختلفة، حُقَّ لهم عمل مجموعاتهم الخاصة وتنظيم قوائمهم الإنتخابية في سبيل المنافسة على مقاعد النقابة، كل يدلي بدلوه ويقدم جهده وجهيده، فيما تحتفظ الجمعية العمومية للنقابة (أي أنتم مُخاطَبي) بالقرار الفصل والحكم العدل.

ورغم اختلاف المصالح الواضح، والذي لا يمكن التشكيك فيه، إلا أن الظروف السياسية المحلية أبت وساستها، إلا أن تقدم "البديل الإستراتيجي" لاختلاف المصالح هذا. البديل لاختلافنا نحو اتفاقنا، البديل لتشرذمنا نحو توحدنا، البديل لتفرقنا نحو اجتماع كلمتنا.

يتبنى مجلس الأمة -بجديّة واضحة- مشروعاً لتعديل الفروق في الرواتب بين موظفي الدولة، وهو يشرك موظفي القطاع النفطي ضمن هذا المشروع الذي لن يثمر بالنسبة لنا لا المنّ ولا السلوى!. فيما لا تُقابل جدية مجلس الأمة بجدية مماثلة من ممثلي النقابات النفطية واتحاد العمّال!. وهذا لعمري إهمال تحوطه العديد من علامات الإستفهام والتعجب. كما لا يمكن أن ننسى سياسة المهادنة التي مارستها نقابة "الإئتلاف" في السنتين الأخيرتين، والتي كانت نتائجها وبالاً على مكتسباتنا بدءاً بتخفيض نسبة مشاركة النجاح مروراً بكل ما أُثير بعدها مما أضر بنفسية العمّال وأثر في إنتاجيتهم.

ونتيجة لما سبق، نحن العاملون في شركة نفط الكويت، بحاجة ماسة إلى مجموعات منظمة تحمل "رؤية" تنتشلنا من واقعنا البائس إلى مستقبل قادم أجمل. "رؤية عمالية" لا تهادن في سبيل تحقيق مصالحها الخاصة، ولا تهمل مصلحتنا العامة.

زملائي وزميلاتي، أجعلوا السادس من يناير القادم رسالة تقطع أكف كل من ينوي الاعتداء على حقوقنا ومصالحنا وأمانينا.

الأحد، 26 أكتوبر 2014

لماذا "يجب" أن أكون معماري؟

سؤال توارد إلى ذهني منذ أن قررت ترك استكمال تعليمي الجامعي في مجال العَمارة! أقول "يجب" ولا أقول "أود"، لأني قد تجاوزت مرحلة الودية تلك بعد أن وَلِجْتُ فعلاً  في دراسة التخصص من خلال قبولي طالباً في جامعة الكويت. ولا أقول "لزاماً عليَّ"، لأنني مررت خلال دراستي بشعور الإلزام النفسي الذي لم يُؤتِ أُكُلَهُ، بل على العكس، كانت له ردة فعل نفسية انعكاسية سلبية!.

أقول "يجب"، لأن الدافع الذي يقودني منذ أن تركت الجامعة حقيقي الوجود، بل أحق من كل ما كان يدفعني لاجتياز المقررات الدراسية، أو على رأي أهل الفلسفة هو دافع "واجب الوجود".
لم أكن لأطمئن لهذا الدافع، لخشيتي من أن يكون ردة فعل كغيره، فرُحْتُ في رحلة كالتي ارتحلها الإمام الغزالي بحثاً عن الحقيقة، لأعرف هل دافعي من المحسوسات، أم من المعقولات التي تبطل المحسوسات، أم من الأحلام التي تبطل المعقولات، والأحلام أوهام وخيالات ليس لها من الواقع صلة! أم أن دافعي نور قذفه الله في القلب! فهَلُمّ معي قارئي لمراجعة سفر الذاكرة.

أتممت تعليمي الثانوي ضمن نظام المقررات - تشعيب الرياضيات في حزيران/يونيه بنسبة تجاوزت الـ٩٠٪. أغرتني نسبتي بالتوجه لوزارة التعليم العالي أملاً في ابتعاثي خارج البلاد، فالمشهور أن التعليم في الصين مطلوب! قُبِلْتُ ولله الحمد في تخصص هندسة تكنولوجيا الأشعة! رغم أن رغباتي الثلاث الأولى كانت: ١-العَمارة ٢-الهندسة المعمارية ٣-الهندسة المدنية! ولما سألت عن إمكانية التحويل بعد الابتعاث أُجِبْتُ بالنفي، فتوجهتُ لجامعة الكويت التي قبلتني فورياً في كلية الهندسة والبترول - تخصص العَمارة.

هل ذكرت لكم أني اخترت الرياضيات تشعيباً؟ حيث أن نظام المقررات كان تخصصياً نوعاً ما، إذ يوزع الطلبة آنذاك حسب رغباتهم في تخصصات متفرعة بين العلمية والأدبية. وكان يسمح لنا باختيار مادتين حسب رغبتنا، ووقعت اختياراتي على مادة الرسم التشكيلي والرسم الهندسي، كما شاركت في مسابقة على مستوى وزارة التربية للرسم الهندسي حصلت فيها على المركز الرابع! إخترت الرياضيات لأنها أم "الجيومتريّة - هندسة الأشكال". كان اختياراً في الحقيقة منذ الإختبارات النهائية للسنة الأخيرة من المرحلة المتوسطة! كانت تستهويني استنتاج البراهين والنتائج من المقدمات المتوافرة في الأشكال المثلثة التي تتوسط الدوائر!.

ربما تسأل/ي عن ماهية الشيء الذي وجهني نحو هذا التفكير، وهو تساؤل مشروع، والإجابة أن والدي أطال الله في عمره قد منحته الدولة أرضاً ليبني عليها منزلنا، وكنت كأي بكر لأي والد في هذه المرحلة العمرية، دائم المرافقة لوالدي، فأخذني مرة إلى مكتب استشارات معمارية، وشاهدت لأول مرة في حياتي شعوراً تبصره الروح لا العين المجردة! كنت البطل في المشهد المرئي المتحرك لرسوم الأطفال عندما تلقي عليه الجنية الصغيرة الغبار السحري، أصدقكم القول أن إله الحب كيوبيد قد نزل الأرض في تلك الليلة!.

هل هي القَدَرِيّة إذن؟ بالطبع، لكنها قدرية النتائج لا قدرية الأسباب. إذ لو تغيرت المشاهد إلى غيرها لأتتني بالنتائج ذاتها، لإن الأسباب مذكورة في الصفحات التالية من السفر.

رجع والدي مرة من رحلة تجارية من ماليزيا، كان جهاز الألعاب النِنْتِنْدو٦٤ يغزو الساحة، فأهداني إياه أبي، وكان ماريو الخارق هو اللعبة المتوفرة في الجهاز. بالرسم الثلاثي الابعاد يدخل ماريو قصر الأميرة دُرّاقة، ولا زلت أحتفظ بمخططاتي التي أحاول فيها أن أوزع فراغات القصر، كان ذلك قبل عام ١٩٩٨!.

كانت أجمل ألعابي نوع من الطين أخلطه بالماء وأضعه في قالب ثم أتركه يتماسك تحت أشعة الشمس، ثم ألصق القطع بمادة لاصقة لأكون منزلاً يظهر شكله على غلاف اللعبة!.

أهداني أبي كتاباً عن الرسم الهندسي الزخرفي. تطبيق ما جاء في الكتاب كان من أمتع اللحظات في حياتي!.

كُلِّفْتُ مرة من أستاذ العلوم بعمل مجسم لمنزل، وقد ساعدني أبي في تقطيعه وتركيبه من الخشب والمسامير والغراء اللاصق!.

وفي بورتسموث، إحدى قرى لندن، كان والدي مبتعثاً هناك وكنا نزوره في عطلة الصيف. كان يعيش في منزل خشبي بمساحة ٥ أمتار في ٧ أمتار من طابقين. كان في المخزن أسفل الدرج صندوقاً من الورق المقوّى. فصنعت منه قلعة ببوابة مربوطة بحبال حتى تُفتح وتُغلق!. كنت في المرحلة الإبتدائية حينها.

تم أسر والدي أثناء الغزو العراقي، فذهبنا إلى المملكة السعودية ومنها إلى مملكة البحرين. ألجأتنا الحكومة البحرينية مشكورة في منازل خشبية في حي من الأحياء يسمى عوالي. في الحديقة الخلفية كنت وبنات خالي البكر نتابع مسير النمل. وكنا نحفر الأرض باتباع ذاك المسير لنشكل جسوراً وأنفاقاً وشوارع. وكان بين حديقتنا وحديقة جارنا الإنجليزي فتحة اغلقها بطابوق أحمر، وكنا نسرق الطابوق لنكمل ما بدأناه في مدينة النمل. كانت تلك المدينة حول شجرة استطعنا أن نبني عليها سلماً يؤدي إلى كوخ أعلاها.

لقد قدم لي القدر أسباباً احتفظ بها في تلافيف المخ مما يسمونه اليوم رواد علم الأعصاب وعلم النفس بالذاكرة، وقد أسميته سفراً أي كتاباً. ولو لم يأتِني القدر بتجربة تصميم منزل والدي لأتاني بغيرها من التجارب، لأنه هو ذات القدر الذي قدّم لي الأسباب التي تقرأون، وهو وحده المتكفل بالنتائج.

ربما يكون سفر الذاكرة مليئ بالصفحات غير ما تقرأون، لكن للذاكرة شروط وأحكام. وأعتقد أن مما تقدم فيه شفائي من الشكوك والأسقام.

لذلك "يجب" أن أكون معماري.